المعدات والأيدي لا تكفي
من نافل القول أنه لا يمكن تحقيق أية جودة في خدمات كبار السن وأصحاب الهمم في الرعاية المنزلية وتنفيذ مهام المساعدة اليومية لهم ما لم يكن لديك مقدمي رعاية محترفين وذوي كفاءة عالية تمكنهم من القيام بدورهم بكل مرونة واستقلالية وثقة. ولن تكون هناك جدوى من مقدمي رعاية منزلية محترفين دون توفر أدوات وأجهزة ومعدات تسهل عملهم في تنفيذ دورهم. ولكن كل هذا يعتمد على مبدأ أساسي في الرعاية المنزلية المتقدمة وهو التعليم والتدريب الاحترافي والمتواصل لتأهيل جيل من مقدمي الرعاية المنزلية الذين يستطيعون تنفيذ المهام اليومية الموكلة لهم بمعايير واضحة. لذلك يتحتم علينا أن نضع خبرتنا وإمكانياتنا في صناعة محتوى تعليمي وتدريبي عالي المستوى لكل من يريد أن يبني فريق رعاية منزلية محترف. لا أعرف بالضبط لماذا لم تؤسس مدرسة أو معهد أو أكاديمية سمها ما شئت، لتعليم وتدريب وتأهيل مقدمي الرعاية المنزلية المحترفين في منطقتنا العربية حتى الآن. لا أعتقد أن التمويل هو العائق بقدر ما هي الثقافة السائدة. 
يجب أن تتنوع قائمة برامج التعليم والتدريب لتغطي كل ما يمكن أن يمس الحياة اليومية لكبار السن وأصحاب الهمم. في مفهومنا تتساوى أهمية التعليم والتدريب في الحركة والتنشيط والدواء والغذاء والصحة النفسية وطرق التعامل والتأهيل كونها تشكل جميعاً عناصر ترفع من جودة حياة كبار السن وأصحاب الهمم. إن مبدأ الرعاية الكريمة لكبار السن وأصحاب الهمم لا يقوم على توفير المنتجات والمعدات ومقدمي الرعاية المنزلية فقط، ولكن يتعدى هذا المفهوم إلى كيفية ربط كل هذه العناصر معاً لجعل الرعاية الكريمة أمراً يومياً ملموساً لا مجرد شعار نرفعه. من أجل كل ذلك يجب أن نطور باستمرار برامجاً للتعليم والتدريب تخدم مبدأ الرعاية الكريمة لكبار السن وأصحاب الهمم وتقوم على قاعدة متينة من الفهم بأن" منطقة الستين" و"منطقة التحدي البدني أو الذهني" ليست بداية" لخدمة" كبار السن وأصحاب الهمم ولكن منطقة لخلق مساحات للحركة والنشاط وتمكينهم من القيام بأعمالهم اليومية "بمساعدة" من مقدمي الرعاية المنزلية ولتعزيز قدراتهم البدنية والذهنية حتى يقوموا بها بأنفسهم. هم لا يحتاجون "خدماً" بل مساعدين محترفين. 
المعايير المتناقضة
  يقوم مزودو الرعاية المنزلية من القطاع الخاص بدور مهم في توفير مقدمي رعاية منزلية يقدمون ما يستطيعون في حدود إمكانياتهم التعليمية والتدريبية ومهاراتهم المكتسبة من الخبرة بشكل فردي أو طبقاً لإرادة مزود الخدمة والذي تتحكم به عوامل العرض والطلب والربح والخسارة. وقد يتبادر للذهن أن هذا يكفي لتقديم رعاية منزلية كريمة لكبار السن وأصحاب الهمم طالما أن الكوادر والأيدي المتوافرة هي كوادر من الأطباء والممرضين واخصائيي العلاج الطبيعي. قد تكون الإجابة صادمة للبعض ولكنها واضحة: هؤلاء ليسوا مقدمي رعاية منزلية محترفين. أن تكون مقدم رعاية منزلية محترف يستطيع أن يقدم خدمات الرعاية الكريمة لكبار السن وأصحاب الهمم هو أمر يتطلب أكثر بكثير من مجرد إجازة في مهنة طبية أو علاجية. إن المفهوم الراسخ في الرعاية المنزلية المحترفة يستوجب وجود مهارات في التواصل والمعرفة المجتمعية والحالات النفسية وإعادة التأهيل وثقافة مكان العمل والمنهجية الخلاقة والتوثيق المهني وتعزيز الصحة والرعاية الوقائية. هذه المهارات الإحترافية يتم تدريسها وفق مناهج أكاديمية وتدريب تطبيقي متناسب وفعال يمكّن مقدم الرعاية المنزلية المحترف من تقديم خدمات رعاية وقائية وفعالة وتشاركية مع متلقي الرعاية.
حتى الآن لا توجد هيئة صحية أو إجتماعية في منطقتنا العربية كما أعلم تضع معاييراً واضحة لنوعية وجودة الخدمات التي تقدمها فرق الرعاية المنزلية المتنقلة التي ترعاها هي، أو الشركات الخاصة المزودة لخدمات الرعاية المنزلية التي تنضوي تحت رعايتها أيضاً. إذن نحن أمام معضلة معايير مزدوجة تتسع فيها المنطقة الرمادية التي تلتهم كثيراً من جودة الخدمات المقدمة وكفاءتها وبالتالي تخفض من جودة حياة كبار السن وأصحاب الهمم. لا بد من وضع حزمة معايير تعليمية وتدريبية موحدة تستوفي شروط الرعاية الكريمة لكبار السن وأصحاب الهمم ولأجل ذلك يجب أن يكون التعليم والتدريب الذي تجيزه إدارات الرعاية المنزلية على أشكالها ويتم بمعرفتها وضمن ضوابطها هو المعيار الأوحد لنوعية وجودة خدمات الرعاية المنزلية. 
الآثار المكلفة لغياب الإحترافية
قدّرت دراسة لأرنست آند يونغ منشورة في عام 2016 عدد "الأّسرّة المحتجزة" من قبل مرضى الرعاية التأهيلية والمركزة طويلة الأجل (جلها لكبار السن) قدّرتها أنها تلتهم وحدها 20٪ من عدد أسرة المستشفيات في القطاع الصحي في دول مجلس التعاون الخليجي، هذا عدا عن "الأسرة المحتجزة" من قبل المرضى المسنين ذوي الإقامة القصيرة والذين يرسلون للمستشفيات لتلقي العلاج بسبب عوارض صحية طارئة. على الصعيد الاقتصادي ، فإن وجود مقدمي رعاية منزلية محترفين وتوفير رعاية منزلية متكاملة سيقلل من عدد كبار السن الذين يتم إرسالهم إلى المستشفيات والمكوث لفترة طويلة والتي تغذي ظاهرة "الأسرة المحتجزة" بسبب نقص الرعاية المهنية المؤهلة في منازلهم. من ناحية أخرى ، يتم إرسال أعداد كبيرة من كبار السن الذين أكملوا علاجهم في المستشفيات إلى منازلهم لاستمرار العلاج في المنزل ، ولكن بسبب نقص الرعاية المنزلية المؤهلة ، يتم إعادة كبار السن إلى المستشفيات مرة أخرى لبدء دورة لا نهاية لها من التنقلات بين المستشفى والمنزل. القطاع الأكثر تضرراً في هذه العملية هو القطاع الصحي ، وذلك بسبب ارتفاع تكاليف شغل الأسرة في المستشفيات لفترات طويلة لحالات من كبار السن لا تستوجب المكوث في المستشفى. بالإضافة إلى تأثير إشغال الأسرة من قبل مجموعة يمكن علاجها من المنزل. أما عن دور الرعاية الكريمة للمرضى المسنين في هذه الدوامة فلا نرى لها أثراً.
يمكن تخفيض هذه التكاليف ، وبالتالي يمكن توفير الكثير من الأسرة الطبية للمحتاجين وأنا أؤمن بأن أزمة كوفيد 19 قد أوضحت لنا بوضوح أهمية امتلاك القدرات في المستشفيات للحفاظ على طاقاتها الاستيعابية ، فضلاً عن أهمية وجود نظام رعاية منزلية احترافي قادر على توفير رعاية منزلية متطورة تخفف الضغط أو تزيحه نهائياً عن كاهل المستشفيات. 
هل يجب أن نبدأ الآن؟
نعم ببساطة. لا يمكن أن يتأخر المسؤولون في إدارات الرعاية المنزلية أكثر من ذلك لبناء جيل من مقدمي الرعاية المنزلية المدربين المحترفين القادرين على أن تناط بهم مهام الرعاية المنزلية لكبار السن وأصحاب الهمم وإدارة مهاراتهم بشكل غير تقليدي يعطي لهم المساحة الأكبر لاتخاذ القرارات اليومية المتعلقة بشؤون الحركة والتنشيط والغذاء لكبار السن وأصحاب الهمم في منازلهم. مقدمو رعاية منزلية لديهم معايير واضحة في نوعية وجودة الخدمات التي يقدمونها. لم يعد يكفي ببساطة أن تبقى الرعاية المنزلية متنقلة وتقدم خدمات بسيطة كتسجيل بيانات ضغط الدم و التأكد من أن كبار السن لا زالوا على قيد الحياة.
  
مجبل السويط