قفزت المجتمعات الإنسانية قفزات نوعية فيما يخص الحقوق المدنية والاجتماعية والعمل التي تتعلق بتمكين المرأة والإفادة من طاقتها الإنتاجية خارج نطاق المنزل، وأصبح جلياً وجودها المؤثر على الأرض في أماكن العمل وفي معادلات الإنتاج بما لا يدع مجالاً لمجرد التخيل أن مجتمع العمل يمكن أن يستغني عنها. لم تتبقى من بعض المجالات إلا القليل التي لم تدخلها المرأة لسبب أو لآخر ، على أن الجدير بالملاحظة أيضاً تركيز هذا التواجد في مجالات محددة أكثر من غيرها. من بين أهم هذه المجالات مجال الرعاية المنزلية ، وهنا لا نفرق بين الرعاية المنزلية الاحترافية أو الرعاية العائلية التي تقوم على أساس توزيع المهام على أفراد العائلة اتفاقاً أو قسراً. 
المفهوم الجمعي لمقدم الرعاية 
تلعب الثقافة العربية والإسلامية التي تشدد على مكانة الرعاية للوالدين والضعفاء الأكثر احتياجاً للمساعدة و تعلي من شأن مقدمي الرعاية لهذه الفئات دوراً مؤثراً في ترسيخ ثقافة الرعاية الأولية التي تبدأ من نواة الأسرة في منطقتنا العربية ولذلك يقع هذا الدور تلقائياً على أفراد الأسرة. تأخذ هذه الرعاية المنزلية المبكرة غالباً منحىً جندرياً ثقافياً منحازاً تلعب فيه المرأة دور البطولة و بدوام كامل ، إضافةً إلى دورها في الإنتاج من مكان العمل الذي تلتحق به. عندما أقارن (لا أحب المقارنات بشكل عام) وعن تجربتي الشخصية في سوق عمل الرعاية المنزلية الإسكندنافي بتجاربنا في سوق عمل الرعاية المنزلية الخليجي فيما يتعلق بالتوزيع الجندري أرى تشابهاً كبيراً تكون فيه المرأة هي عنصر الرعاية المنزلية القاعدة على حد سواء ، ويكون الرجل فيه هو الإستثناء. في محاولة لتغيير هذا الوضع أتذكر أننا قمنا بالمشاركة في حملة مولتها إحدى هيئات مفوضية الإتحاد الأوروبي في عام 2004 عملنا فيها على استقطاب العنصر الرجالي للانخراط في العمل داخل نطاق سوق الرعاية المنزلية الدنماركي. ما لفتنا أثناء حملاتنا الميدانية و في الاستبيانات التي وزعناها أن أغلب الرجال من مختلف الفئات العمرية جاوبوا على أحد أسئلتنا عن ما رأيك في أن العمل في الرعاية المنزلية هو مجال عمل رجالي أم نسائي أم مشترك؟ جاءت الإجابات في أغلبيتها الساحقة لصالح أن مجال العمل هذا هو نسائي في الأساس.
وهنا تبين لي أن هذا المفهوم الجندري في الرعاية المنزلية إنما هو مفهوم إنساني أوسع في المجتمعات  و يرتكز على تكوين المرأة في الأساس ككائن يمتاز بالعاطفة والحنان والعطاء وهذا ما يكوّن في الذاكرة الجمعية لهذه الشعوب الأفضلية أو "القسرية " للمرأة كمقدم رعاية مفروغ منه. حققت الحملة في النهاية نجاحاً ملموساً في التحاق عدد لا بأس به من الرجال والشباب في الرعاية المنزلية في الدنمارك ، بالإضافة إلى بقية الحملات المجتمعية التي رفعت الغطاء عن المفهوم النمطي في هذا الحقل الفائق الأهمية.   
المرأة والجهد المزدوج 
أن تصبح الرعاية المنزلية بغض النظر عن الفئة التي تتلقاها إن كانت من كبار السن من الوالدين أو أفراد العائلة من ذوي الاحتياجات الخاصة ، مسؤولية مناطة بحكم الحس العاطفي أو الثقافي الجمعي بالمرأة ، أو أن يتم النظر من فوق برج مجتمعي للرعاية المنزلية كحقل عمل مكرس للنساء ، هو أمر يجب إعادة النظر فيه و بشدة. يقع على عاتق المرأة إن كانت عاملة أم دارسة أم ربة منزل مسؤولية مزدوجة تتعلق بتوفير جهد استثنائي من الرعاية بدنياً ونفسياً للأشخاص وإن كانت الرعاية أمراً اختيارياً من قبلها. نقف الآن على مفترق طرق نرى فيه عن كثب أن تنميط هذا الحقل الحيوي هو أمر لا يأتي بفائدة على المستويين الاحترافي أو الأسري لجهة النقص الواضح في الأيدي المدربة العاملة في هذا الحقل ومحاولة جسر الهوة في خلق تكافؤ جندري مطلوب واستقطاب لجهد رجالي يمكن أن يحدث فرقاً. ومن جهة أخرى تخفيف الضغط الناجم عن التنميط في الرعاية على المرأة و هنا نشدد أكثر على المرأة التي "ترعى" أحد أحبائها إضافةً لعملها كموظفة بدوام كامل في مكان عملها ما يجعلها في أغلب الأحيان تتخلى عن بعض حقوقها في الزواج أو الدراسة أو حتى العمل إن كانت لا تعمل. هنا لا نعمم فكرة إن كل النساء اللائي يقدمن الرعاية لأحد أفراد أسرهن هن بالضرورة مجبرات على ذلك أو يلحقهن أذىً من عدم إتاحة الفرص المتكافئة لتحملهن الرعاية دون بقية أفراد الأسرة الذكور ، ولكن دفعني الكثير مما شهدته من شهادات بعض النساء أن أفرد مقالاً لهذا الموضوع. 
ماذا يمكن أن نفعل؟ 
تبدو الأفق قاتمة حين ننظر إلى واقع الرعاية المنزلية الأسرية ، فمن النظرة الأولى نستطيع أن نرى وبوضوح أن هدم سورٍ عتيد من ثقافة متجذرة يمكن أن يكون مهمة مستحيلة لن يستطيع حتى توم كروز أن ينجزها ، ولكن صدقاً فإن الأمر ليس بهذه الدرجة من الاستحالة إذا ما غيرنا فقط أولوية مهمتنا من "هدم" السور إلى "فتح كوة" في جدار السور. ربما نستطيع أن ننطلق من إيجاد بعض الحلول إذا ما تم تحفيز أفراد الأسرة على قدرٍ واحد وبمبدأ متساوٍ. يمكن أن يكون لبعض التحفيزات المادية لمقدمي الرعاية بجانب توفير التدريب والتعليم اللازمين بطريقة حديثة و عملية أثر حاسم في تغيير بعض هذه الأنماط. أضف إلى ذلك توفير التجهيزات الذكية والحلول الرقمية المتقدمة داخل وخارج المنزل لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة وتمكين ذويهم من متابعتهم والإطمئنان عليهم ومساعدتهم بأساليب عصرية تجعل من السهل بل والممتع لمقدمي الرعاية الذكور من الأسرة من أن يختاروا تقديم الرعاية بأنفسهم عوضاً عن الأخت أو الأم أو البنت أو الزوجة.
أخيراً ، عملية التغيير لا تسير دائماً بخط مستقيم ، قد تواجهنا الكثير من الخطوط المتعرجة و لكن في النهاية سنصل إلى النتيجة المطلوبة فقط إذا واصلنا السير ، و كانت بين أيدينا خريطة واضحة المعالم نحو الهدف. 
مجبل السويط